تشهد المفاوضات بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة تتسم بإعادة توزيع أوراق القوة بين الطرفين، وسط هدنة تبدو هشة، ومفاوضات غير مباشرة يستخدم طرفاها أسلوب «النفس الطويل»، حيث يسعى كل طرف لممارسة أقسى درجات الضغط، والتلويح بالتهديد بين آن وآخر.
ولم يعد الخلاف مقتصراً على البرنامج النووى الإيراني، أو العقوبات والأصول المجمدة، بل برز مضيق هرمز باعتباره الورقة الأكثر تأثيراً فى المشهد، بعدما تحول من ممر ملاحى استراتيجي، إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية تستخدمها طهران فى مواجهة واشنطن، وتدرك مدى تأثيرها.
ويكتسب المضيق أهمية استثنائية لإيران، التى باتت تعتبره أحد أبرز مكاسب المرحلة الحالية، إذ يمنحها القدرة على التأثير فى حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة من خلال التحكم فى وتيرة الملاحة البحرية ورفع تكلفة الشحن، بما يضع ضغوطاً إضافية على الإدارة الأمريكية فى مرحلة حرجة.
وتلقى هذه التطورات بظلالها الثقيلة على الداخل الأمريكي، حيث لا تزال أسعار الوقود تمثل تحدياً للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بالتزامن مع استعداد الحزب الجمهورى لعقد مؤتمر استثنائى فى دالاس يومى 9 و10 سبتمبر، فى إطار التحضير لانتخابات التجديد النصفي.
وهو ما يزيد من حاجة ترامب إلى الحفاظ على انسيابية الملاحة فى مضيق هرمز، قبل عقد المؤتمر، مهما كلفه ذلك، إلى جانب تحقيق تقدم فى الملف النووى يمكن تقديمه للرأى العام باعتباره إنجازاً سياسياً. حيث يخشى الجمهوريون من تأثير تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف الطاقة على فرصهم الانتخابية.
ويرى بعض المحللين أن أبرز ما حققته إيران عقب الحرب يتمثل فى تعزيز مكانة مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، تستطيع من خلالها ممارسة ضغوط غير مباشرة على الإدارة الأمريكية، وتوسيع دائرة التحديات الداخلية التى تواجه ترامب.. وقبل أيام، استأنفت الولايات المتحدة وإيران، محادثات فنية غير مباشرة فى العاصمة القطرية الدوحة، ركزت على ملف الأصول الإيرانية المجمدة وترتيبات الملاحة فى مضيق هرمز،
وسط مؤشرات متباينة بشأن فرص التوصل إلى تفاهمات أوسع.. ومن اللافت للنظر أن كل طرف يرى المفاوضات بشكل مختلف، ففى حين أكد الرئيس الأمريكى أن الاتصالات مع إيران «تمضى بصورة جيدة»، مشيراً إلى أن الاجتماعات التى استضافتها قطر «حققت تقدماً»، وأن مسار التفاوض بشأن البرنامج النووى «يسير بشكل إيجابي»،
مع استمرار الخلافات حول إدارة المضيق وآليات تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، تؤكد طهران أنها «لن تتردد فى الرد على أى تهديدات تستهدف قيادتها أو أراضيها»، فى ظل استمرار التصعيد الإعلامى والعسكرى مع إسرائيل، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمى ويضع المفاوضات أمام اختبارات متواصلة.
فى الوقت نفسه واصلت واشنطن التلويح بالخيار العسكري، إذ كشفت تقارير أمريكية أن ترامب ناقش مع كبار قادة المؤسسة العسكرية سيناريوهات استئناف الضربات ضد إيران، قبل أن يقرر الإبقاء على المسار الدبلوماسى فى الوقت الراهن، انطلاقاً من قناعة بأن العودة إلى الحرب قد تؤدى إلى إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة، بما يهدد الاقتصاد العالمى ويرفع أسعار النفط بصورة كبيرة.
ومن جانبه، أكد نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس أن الولايات المتحدة تمتلك «جميع أوراق القوة»، معتبراً أن واشنطن ستكون فى موقع المنتصر سواء نجحت المفاوضات أو تعثرت، بعدما تعرض البرنامج النووى الإيرانى والبنية العسكرية التقليدية لضربات مؤثرة خلال المواجهات الأخيرة.
وبموجب التفاهمات المؤقتة، وافقت إيران على السماح بعبور السفن دون رسوم لمدة ستين يوماً، غير أن طهران تفسر الاتفاق باعتباره يمنحها حق الإشراف على حركة السفن وتحديد مساراتها، بينما تصر الولايات المتحدة على أن حرية الملاحة فى المضيق يجب أن تبقى بعيدة عن أى قيود أو رسوم، باعتباره ممراً دولياً.
ويرى بعض المراقبين أن الخلاف الحقيقى بين الجانبين لم يعد فنياً أو قانونياً، وإنما يتعلق بمن يمتلك حق إدارة أمن الملاحة فى مضيق هرمز، ومن يفرض قواعد المرور، ومن يستطيع توظيف هذا الملف كورقة نفوذ إقليمى واقتصادي.
وعلى الصعيد الداخلى الإيراني، تبدو الأولويات متباينة بين مؤسسات الدولة. ففى الوقت الذى يسعى فيه الرئيس مسعود بزشكيان إلى الإفراج عن نحو ستة مليارات دولار من الأصول الإيرانية المجمدة للمساهمة فى معالجة الأوضاع الاقتصادية، ينظر الحرس الثورى إلى مضيق هرمز باعتباره أصلاً استراتيجياً لا ينبغى التفريط فيه، لما يوفره من نفوذ سياسى وعسكرى ومالي.
ويرى مراقبون أن هذا التباين لا يعكس انقساماً بين تيار معتدل وآخر متشدد بقدر ما يعبر عن تنافس بين مؤسسات الحكم، إذ يخشى كل طرف الظهور بمظهر المتنازل عما تعتبره طهران «مكاسب الحرب»، وهو ما يدفع الجميع إلى تبنى مواقف أكثر تشدداً.
وفى الإطار ذاته، تعكس تصريحات رئيس البرلمان الإيرانى محمد باقر قاليباف توجهاً لإعادة تعريف طبيعة العملية التفاوضية، إذ يؤكد أن مرحلة التفاوض قد انتهت، وأن الاتصالات الحالية تقتصر على تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، مع استبعاد ملفات تخصيب اليورانيوم والقدرات الصاروخية والتحالفات الإقليمية من أى نقاش جديد.
فى المقابل، تتمسك الإدارة الأمريكية بأن التفاهمات الحالية تمثل بداية لمسار أوسع يهدف إلى فرض قيود دائمة وقابلة للتحقق على البرنامج النووى الإيراني، وضمان حرية الملاحة الكاملة فى مضيق هرمز.
وتكشف هذه المواقف عن فجوة واسعة فى تفسير كل طرف لطبيعة الاتفاقات القائمة؛ فبينما تعتبرها طهران اعترافاً ضمنياً بدورها الإقليمى ومكاسبها العسكرية، تنظر إليها واشنطن باعتبارها مرحلة انتقالية نحو اتفاق أشمل يفرض قيوداً أكبر على إيران.
كل ذلك يجعل فرص التوصل إلى صفقة شاملة محدودة فى المدى القريب، بينما تظل السيناريوهات الأكثر ترجيحاً قائمة على إدارة الأزمة بدلاً من حلها، من خلال استمرار المفاوضات غير المباشرة، والإفراج التدريجى عن بعض الأصول المجمدة، والحفاظ على مستوى محسوب من التهدئة العسكرية يسمح باستمرار الملاحة دون إنهاء أسباب التوتر.
ويرى مراقبون أن نجاح هذا المسار قد يمنح الرئيس الأمريكى قدراً من الاستقرار فى أسواق الطاقة ورسالة انتخابية تعزز صورته باعتباره تجنب حرباً جديدة، لكنه فى الوقت نفسه قد يرسخ واقعاً جديداً يعترف عملياً بأن أمن مضيق هرمز بات مرتبطاً، بدرجة كبيرة، بالتفاهم مع إيران.
أما إذا انهارت المفاوضات، فإن المنطقة قد تعود سريعاً إلى التصعيد، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام الاختيار بين السيئ والأسوأ. فإما القبول بدور إيرانى أكبر فى إدارة أمن المضيق، أو اللجوء إلى القوة العسكرية لفرض حرية الملاحة، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية وأمنية ليس على الداخل الأمريكى فقط، وإنما على منطقة الشرق الأوسط والعالم.
1 بيروت.. انقسام داخلى.. وجدل حول «المناطق التجريبية»
2 تل أبيب.. الجيش لن ينسحب حتى باتفاق مع واشنطن
لندن ضبط العلاقات مع أوروبا بعد عشر سنوات على بريكست






